أحمد بن أعثم الكوفي

378

الفتوح

محمدا صلوات الله عليه ، ثم قال : اللهم ! هذا أبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري صاحب رسولك محمد صلى الله عليه وسلم ، اتبع ما أنزلت من آياتك ، وجاهد في سبيلك ، ولم يغير ولم يبدل ، ولكن رأى منكرا فأنكره بلسانه وقلبه ، فحقر وحرم حتى افتقر وضيع حتى مات غريبا في أرض غربة ، اللهم ! فأعطه من الجنة حتى يرضى ، واقصم من طرده وحرمه ونهاه من مهاجرة حرم رسولك محمد صلى الله عليه وسلم . قال : ثم أقاموا يومهم ذلك عند قبره ، فلما كان بالعشي عرضت عليهم أم ذر الطعام فأكلوا ، فلما كان من غد سلموا عليها وانصرفوا إلى بلدهم . ( 1 ) قال : وبلغ ذلك عثمان فقال : رحم الله يا أبا ذر ! فقال عمار بن ياسر : فرحم الله أبا ذر من كل قلوبنا ( 2 ) ! قال : فغضب عثمان ثم قال : يا كذا وكذا أتظن أني ندمت على تسييره إلى ربذة ؟ قال عمار : لا والله ما أرى ذلك ! قال عثمان : ادفعوا في قفاه ، وأنت فالحق بالمكان الذي كان فيه أبو ذر ولا تبرحه أبدا ما بقيت وأنا حي ، فقال عمار : والله إن جوار السباع لاحب إلي من جوارك ، ثم قام عمار فخرج من عنده . قال : وعزم عثمان على نفي عمار ، وأقبلت بنو مخزوم ( 3 ) إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا : إنه يا أبا الحسن قد علمت بأنا أخوال أبيك أبي طالب ، وهذا عثمان بن عفان قد أمر بتسيير عمار بن ياسر ، وقد أحببنا أن نلقاه فنكلمه في ذلك ونسأله أن يكف عنه ولا يؤذينا فيه ، فقد وثب عليه مرة ففعل به ما فعل وهذه ثانية ، ونخاف أن يخرج معه إلى أمر يندم ونندم نحن عليه ، فقال : أفعل ذلك فلا تعجلوا ، فوالله ! لو لم تأتوني في هذا لكان ذلك من الحق الذي لا يسعني تركه ولا عذر لي فيه .

--> ( 1 ) في الطبري 5 / 80 وابن الأثير 2 / 265 أنهم حملوا أهله معهم حتى أقدموهم مكة . ( 2 ) عند اليعقوبي : أنفسنا . ( 3 ) قال في الاستيعاب : عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين العنسي ثم المذحجي . قال الواقدي وغيره أن ياسرا والد عمار عرني قحطاني مذحجي إلا أن عمار مولى لبني مخزوم لان أباه ياسر تزوج أمة لبني مخزوم اسمه سمية بنت خياط ( وهي أمة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ) . فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فمن هنا هو عمار مولى بني مخزوم . ولهذا الحلف والولاء تدخل بنو مخزوم لمصلحة عمار في المرة الأولى التي تعرض فيها عمار للضرب من قبل عثمان وغلمانه ، وفي هذا الموقف له من أبي ذر .